إضافة مشاركة إضافة مشاركة


لا تعبر

تم نشرها
Salah kattop

عضو منذ ٢ أغسطس، ٢٠١٨
  • 1 المشاركة

السابع عشر من تموز, الساعة التاسعة مساءً حسب التوقيت المحلي للقلوب الحائرة الوحيدة, هذه القلوب القابعة تحت الحطام تصارع أعشار الدقائق الباقية لها, و تنتظر أحداً ليكتشفها.

و كم هو مريع الإنتظار, خصوصاً إن كان انتظار موتك!

و في هذه اللحظات بالذات, تبدو الثانية أغلى ما لديك من أملاك, و الدقيقة تمر و كأنها سنة.

سنة كاملة تستذكر فيها أوقاتك ليصبح الماضي حاضرك, تاركاً للمستقبل لغزاً محيراً لا تُعرف نهايته.

لم أفكر في حياتي كيف كنت أريد أن أموت , فقد كانت فكرة الموت مستبعدة و لكن, إن كان هناك سبب يدفعني للموت, فهو الدفاع عن شخص أحبه ؛لأن هذا أسمى درجات الموت و أسمى درجات الحب.

ضوء القمر كاف لأرى ذاتي, لأرى نفسي منعكسة على صخوره البيضاء, يقال عند الموت تتضح كل الأشياء, تنكشف المعاني و يصبح للحياة ثمناً عليك دفعه, لكن أنا أقول أن الموت محير؛ ها أنا مستلقِ أنتظر أن تتضح الأشياء دون فائدة.

لماذا أنا؟

ماذا حدث؟

لماذا أنا مستلقٍ؟

بدأت لمحاتٌ قليلة من ذاكرتي تعود و قادتني لمعرفة ما حدث لي, نظرت لحالي متضرجاً بالدماء القانية, لأطرافي المثبتة بالقوة, حاولت تحريك نفسي بفزع و بئس المحاولة!

صرخت طلباً للنجدة و لا أحد يستطيع أن يسمع الصدى؛ فكنت أنا الصوت و الصدى.

كيف؟

لماذا؟

أين أنا؟

لماذا أنا هكذا؟

كيف وصل بي الحال إلى هنا؟

كلا... لا أريد الموت هنا! بل لا أستطيع الموت هنا, أحتاج مزيداً من الوقت؛ مازال تفاح أحلامي منتظراً مني التقاطه, أريد أن أمسك الكمان مرة أخرى فأمررها بين أصابعي بشغف, أريد أن أكلم أمي أكثر, أريد أن أنصح إخوتي أكثر, أريد أن اجعل أبي فخورا بي أكتر و أدرك أن هذه هي الوسيلة لتحقيق هذا ولكن...

ولكن لا أريد أن تكون هذه آخر مرة أرى فيه القمر.

الآن في هذه اللحظة, أفتقد أمي أكثر من أي لحظة, لم أتوقع أني سأقول هذه يوماً لكني أريدها أن تصرخ علي مرة أخرى و لأي سبب كان؛ أنا فقط أريد سماع صوتها.

نظرت إلى يدي بدهشة و رأيت القلادة الصغيرة التي أعطتني إياها أمي, لا أتذكر كيف وصلت إلى يدي و في الحقيقة لا أتذكر أني أحضرتها معي إلى ساحة المعركة؛ ولكن أجدها الآن خلاصي, قبلتها بشغفٍ و قد رسمتها بالدموع و الدماء في قلبي.

تمنيت أن تسرع الثواني لتنهي ألمي, ولكن أي ألم؟

لا أشعر بشيء إلا الدفء, يبدو أن الموت يسهّل عليّ مهمتي, لكن كنت أشعر بالدماء تسري في عروقي و سمعت دقات قلبي و تنصّتٌّ إلى تفكيري بوضوح تام كأنه يكلمني؛ الآن بدأت أشعر بالفراغ؛ بدا لو أن تفكيري كالظلام الذي يملأ غابة بعد ليلة مطيرة.

أصبحت أسمع أدق الأصوات و أصغرها و أحس بأي أحد حولي أو أي شيء, اتضحت كل الأشياء و اتضح معها تفكيري؛ و أدركت أن هذا ما كنت أبحث عنه طيلة حياتي .. أن أحقق ذاتي بفعل شيء عظيم.

لا أعرف هل مرت دقيقة؟ أم دقيقتان؟

بدأت بالرجوع إلى واقعي, لا أستطيع تحريك رجليَّ بهذه الصخرة الكبيرة فوقهما, و بأية حال لم تكن لدي القدرة أن أحرك جزءاً من جسمي, ها أنا! أحتضر تحت أنقاضٍ ما ولا أحد يعرف أين أنا و ما يحدث لي؛ لعبتنا مع القدر لعبة غير عادلة لكن أشكره لتركه لي فتحة أرى من خلالها السماء و الأنجم!

الآن بدأ شعور بالألم يصل إلي... شعور حارق, لكن خفيف, استكشفت المكان بعينين هادئتين , ما أتذكره هو عبوري للطريق؛ طريقً مختصر أصل به لمقصدي.

شعرت بوجود صراخٍ عالٍ يأتي من حيث لا أدري يقول: لا تعبر! .... لم أعره أي اهتمام و كأنه عبر خلالي دون ترك أي أثر و يا ليته ترك أثر.

عبرت, و يا ليتني لم أعبر.

ضوء أحمرً مائلً للصفرة يخترق عينيّ و صوت هائل يقطع مجال الصمت داخلي, قبضةً قوية تلطمني و تدفعني بعيداً جداً, لم أستطع المقاومة, أغمضت عينيّ ومن ثمّ..... فراغ.

كانت الحجارة مرمية في كل مكان و دخان خفيف يتصاعد مع تصاعد أنفاس روحي الأخيرة المتبقية , كانت كل أطرافي عدا يدي اليمنى مثبتة بحجارة فوقها فما استطعت تحريكها و كل ما استطعت فعله هو الإستلقاء و التأمل في ذاتي و في الحياة, و مع انقشاع الغيوم و ازدياد الضوء الأبيض النفاذ ظهرت دموع لم أدرك أني أسقطتها.

تذكرتها......نعم تذكرتها , تذكرت أول لقاء لنا, كانت تعزف على البيانو محركة أصابعها الراقصة بليونة وخفة على المفاتيح , كانت تعزف سوناتا القمر المشهورة لبيتهوفن و أنا أعزف على الكمان لحنا ينسجم مع عزفها ,إنها تعشق سوناتا القمر فهذه المقطوعة مفتاح للصبر و الأمل و الحب لها, رأت بين علاماتها شيئا لم يستطع أحد غيرها رؤيته, تعزف بعينين مغمضتين و عندما تصل إلى درجة ال ( لا ) تفتح عينيها فتبدوان كالقمر الذي يتألق بعد حجب الغيوم عنه, تماماً كهذا الذي أمامي, لطالما شعرت أن علي إخبارها فقد كنت أترك هذا للحظة مناسبة؛ و يبدو أن لا مزيد من اللحظات المناسبة تنتظرني بعد الآن... أترى أحد يفكر بي الآن؟؟

تابعت ذكراي مردداً أبيات شعر أوحى لي القمر بها :

أتشعر بحالي يا قرص السماء الأبيض تسابق الدرر؟

تركض تلاحق عازما لترى فتاة عرفها الكون منذ انفجر

أم هي تلمح لك و انت غير مدرك لها أيها القمر؟ّ!

في الحقيقة.... الآن و بعد هذه الذكريات، لا أستطيع التفكير بشيء و كأنني استنفذت كل الذكريات الباقية.

لم أقوى على التفكير فيما حصل لي، إنه لشيء بسيط جداً... أن تحمل قنبلة ما، و تفجرها.

لا بل هو شيء أبسط أن تقتل كائنا حياً ما.

نحن البشر علينا أن نخاف قليلاً من أنفسنا لأنه ولو سنحت لنا الفرصة... نستطيع أن نكون أشرس الوحوش على الإطلاق.

إذن، قنبلة تنفجر، و أنا أنفجر، و إرادتي في جعل أرضنا أفضل..... انفجرت أيضاً، وذنبي الوحيد هو وجودي في المكان الخطأ، و الوقت الخطأ.

و ذنب من عرفني... أنه عرفني.

بشكل لا إرادي، نقلت لهم مقصدي و طموحي في الحياة، تركت لهم أثراً يمثل إرادتي بغير إرادة، عسى أن تتحقق.

عرفت أن هلاكي محتم لكن لم أستطع البقاء دون حركة، حاولت أن اصرخ طلبا للمساعدة و لم أستطع تحريك فمي؛ يقولون أن عضلة الفك أقوى عضلة في جسم الإنسان و ها هي تقف عاجزة أما هيبة الموت.

أعد الآن دقات قلبي و أعرف أن قصتي ستنتهي.

نحب نحن الحياة لأننا لا نعرفها و لن نعرفها قط، و نكره الموت لأننا مدركون له، فالإنسان لا يحب الموت و يمقته حتى مجيء لحظته فعندها يحبه... لا وبل يتبناه؛ لإدراكه أنه طريق لحياة جديدة.

دقة...

دقتان..

ثلاث دقات

فراغ

قال الموت: يكرهني الناس لأنهم يكرهون الحق

و ما إن أدركوا الحق أحبوني

ردّت الحياة: وما إن اقتربت منهم أحبوني

و ما إن وُفقوا عشقوني

و ما إن كشفت لهم نفسي، كرهوني

و أحبوك.





comments powered by Disqus