إضافة مشاركة إضافة مشاركة


ين ويانغ

تم نشرها
Lina Alhussein

عضو منذ ٢٥ يوليو، ٢٠١٨
  • 4 مشاركة

الله السلام أخبرنا بأنه اختار خلقنا وخلق كل الأمور من حولنا بنقص وثغرة، فلا اكتمال!

لكن الله المحبة لم يخلق لنا ذواتنا لنعلن عليها انتفاضة وثورة!

خلقنا بأعلى المصاف.. هناك حيث يفيض الجمال وينسكب من مجرة الجسد إلى مجرة الروح الكبرى.

بكلام بسيط؛ كل ما نشعر بأنه نقص فينا أو في ذواتنا أو حتى في التجارب التي نمر بها.. هو في حقيقته كمال، لكن حين يُقرأ بأسلوب لُغة مختلف.

اِستغربتُ في الأمس حين رأيت صوراً لعارضة أزياء فرنسية اشتهرت لسواد بشرتها الداكن، فلو نظرنا من منظور الجمال الذي يدّعي المثالية ومن منظور بدعة الكمال لحكمنا عليه بأنه عامل نقص.

لكنه كان وبطريقة مثيرة عامل جذب أخّاذ، إذ يجعلك النظر إليها تَحبِس أنفاسك في رئتيك لتشعر بشيء.. ذاك الشعور هويتها!

مرة أخرى نقرأ النقص كعنوان وهج مشتعل في تجاعيد رجل عجوز.. فلستَ تملك من الفِراسة ما يكفي لتقدير عُمره لكنّك ما إن تنظر إليه حتى تشعر بأنّ عمراً بحاله سَكنَ مسام يديه وعمراً آخر خط له تجاعيد وجهه، فهل هناك صورة مكتملة أكثر!

من جديد.. "نمش مبعثر"، انظر إليها.. أمعن النظر.. بالله عليك أليست من يقال بها: "هي الجمال الذي يشق الفؤاد"؟ وبالله عليك ألم يكن ذاك النمش شظايا انشقاق القمر؟

ليس ذاك وحسب.. فمثلاً جميعنا نعلم بأن "العيون متغايرة اللون" هي طفرة وراثية.. لكن جميعنا يعلم أيضا بأن من تملك تلك الطفرة قادرة على إشعال مشاعرك حين تنظر إليك!

هي الوحيدة التي تستطيع قول كل الموسيقى والقصائد والمسرحيات وكل أغاني أم كلثوم وكل الفلسفات بمجرد إطلاق النظر..

ثم عُد على يديك.. "القامة القصيرة" "الشعر الأشيب" "الحرف اللثوي الذي لا ينطق.. من طفل رمى أسنانه لعين الشمس فأعادتها له حروفاً خاصة".. وغيرها وغيرها..

الكمال بدعة والنقص حقيقة، الكمال سهل كإعراب الجملة الاسمية أمّا النقص فهو الكلمة التي إن اجتمع نحاة العالم لأعربها كل منهم بمنظور وفلسفة..

فلسف نقصك لتحبه! وانظر دوماً للجانب الأبيض في دائرة "الين واليانغ؛" تلك الأسطورة الصينية التي تعبر عن الازدواجية أو الثنائية في نظامنا الكوني المتذبذب، فهي من جعلتني أؤمن باقتران النقص بالكمال والأمور الجيدة بالسيئة كما قرنت هي الأبيض بالأسود والموت بالحياة والذكر بالأنثى وجعلت كل تلك الأمور تدور لتصب وتلتقي في دائرة تدعى كُرة الحياة.

قاصر البصر وحده من لا يدرك هذا الجمال ولا يدرك الحكمة الإلهية من عدم الاكتمال.

قل لي يا صديق.. ما أسوأ ما حدث لنا؟

أليست الحرب؟

ذاك الاستنزاف الذي حاول تصييرنا حطامات ومِزَقا ًآدمية، ذاك الذي جعلنا معلقين في دوامة لا نجد أرضا تخور عليها قوانا ولا سماء!

دعنا نعد إلى دائرة "الين واليانغ." ما هو الحيز الأبيض الذي من الممكن أن تلتقي معه الحرب؟

هل من المعقول أن نستطيع النظر إليها اليوم بطريقة إيجابية؟!

قد تستغرب، لكنني أقول نعم...

أنا لن أظل أنظر للحرب بعد أن انقضت على أنها الإيلام والاستنزاف وخور القوى وعلى أننا ضحاياها الذين لا حول لنا ولا قوة..

لي منظور آخر يا صديق..

فثمان سنوات كانت كفيلة بأن تقول لنا مقدار تحملنا وقوتنا، كفيلة بأن ترفع تقديرنا لذواتنا، كيف لا! ونحن من احتملنا الذي لا يُحتمل ونحن من سعينا لنظل واقفين بثبات على أرضنا كأننا نقف بأربع أرجل عوضاً عن اثنتين.

أكانت مصادفة أم رسالة إلهية بأننا القادرين على كل شيء؟

للحرب أقول لم ولن نَخرج مُثقلين بكِ بل ستخرجين مُثقلةً بنفسك خائبة، ونحن سنتيقن كل يوم بأننا الأقوى والأنضج.

السوء الذي يحدث لنا.. والنقص الذي يعترينا.. كلاهما جواز سفرنا إلى حقيقة من أنا

حَدَثا لنا كما حدثت السماوات وكما حدثت شرف المنازل

فلنشتعل بنقصنا وسوء حظنا حباً وشغفاً

ولنملأ بطارياتنا بقناعة مطلقة تقول:

"كل ما يحدث يحدث كي تكون أنت أنت وكل أسود قد يحيل أبيضاً"

و "يا سيّد ذاتك.. يا عبد الله.. يا كل الأكوان..” هذا ما تناديك به كل المصائب والانتقاصات بعد أن تعرف كيف تجعلها طَيّعة لك كطينة تعجنها فتعجن نفسك أملاً وحباً ولوناً أبيضاً.






comments powered by Disqus