إضافة مشاركة إضافة مشاركة


ابتسامتهم شفاء

دون صورة أصوات من سوريا
عضو منذ ٢٧ نوفمبر، ٢٠١٦
  • 106 مشاركة
  • العمر 23

© Shehzad Noorani / UNICEF

© Shehzad Noorani / UNICEF

عندما تغدو الطفولة سلعةً يتاجر بها الأشقياء من أجل بضع ليرات، فاعلم أنَّ خللاً عظيماً قد أصاب ضمير هذا الكائن.

عندما تُقتَلُ الطفولة بأيدي مَن يجب أنْ يرعاها، فاقرعْ جرس الإنذار لقدوم جيلٍ أقربُ ما يكون إلى جيل العصور الوسطى بل والحجرية منها.

عندما تجد طفلاً في فصل قارص البرودة لا يعرف الرحمة، فأيقن أنَّ البشر صلوا الجنازة على إحساسهم.

من رَحْمِ واقع نعايشه ومع اختلاف نظرة كلٍ منّا نحوه.

خرجت مرة من أحد المساجد وبرفقتي صديقي وكما العادة انتشر المتسوّلون على أبوابه...

عندها أثارت حفيظتي رؤية طفلين قد التصقا بأمهما وهما يمدّان يديهما الناعمتين بعينين بريئتين وبلسان يلهج بالطلب وكأنهما قد حَفِظا أو حُفِّظا هذه السمفونية اللعينة.

في تلك اللحظة، احتشد في ذهني جيوش من الأسئلة ما كنت أتخيل يوما أنْ تجتمع، لكنّ الخطب جلل. لم أجد بجانبي سوى صديقي لأطلعه على ما يدور في نفسي من أسئلة.

سألته: كيف لهذه المرأة أن تكون أُمّاً؟

كم هي الأشياء التي قتلتها في هذين الطفلين؟

هل يا ترى سيؤنبها ضميرها يوماً على ما تفعله؟

بل ماذا عن الطفلين؟ كيف سيغدوان عندما يكبران؟ هل نتبع تلك المقولة البائسة "مَن شابه أباه فما ظلم"

هل المشكلة يا صديقي في الجهل؟ لا لا أعتقد فهرمون الأمومة أقوى من هرمونات الجهل...

إذاً هل الأمُّ ماتت قبلاً كما سيموت هذان الطفلان عندما يبلغا مبلغها؟

أسئلة كانت الإجابة عليها ضرباً من المستحيل، فراحَ يصرخ لسان صاحبي (يا قبحكم )

وينطق بلسان الطفلين (بأن أعيدوني أرجوكم، أعيدوني إلى دفتر رسمٍ وأغنية طفولة وحلوى أسدُّ بها رمقي..

بل يا صاحبي ماذا عن تلك الطفلة التي وجدناها في ساعة متأخرة من الليل برفقة أخوتها وبدون حذاء في برد كاد يجمّد عروقها... عندما وقفت أسألها عن سبب تواجدها في هذا الوقت وبهذه الحال.. نظرتُ إليها وإذ بعينيها قد تكلمتا "أتسألني عن طفولة معذبة، طفولة وُلدت في العراء لم تجد لها بين البشر من غطاء"

صُدمت ولم أجد أين أسندُ رأسي، شعرتُ بالعجز لأول مرة... فنطقت شفتاها برداً وإن لم تنطقا "لم يرحموا طفولتي، قتلوا فيَّ البراءة، قتلوا فيَّ البسمة، غادر ولا تعقب"

كنتُ مطواعاً لأول مرة وغادرت هارباً من نفسي

لكنّي ما زلت أبحث عن تلك الإجابات... حتى جاء يومٌ كنت أمشي فيه مع صديقي الذي أحب بجانب حديقة قد طُلي سورها بدهان جديد وسألته فبادرني: “هذا مشروع قد كلّف الملايين" الملايين عجبا؟!

وبعد مدة مررت بالقرب من أحد المساجد وكانوا قد همّوا ببناء مئذنة ثانية...

كالمجنون في الشارع أُحدّث نفسي.. عجباً ألا تكفي مئذنة واحدة والثانية تعمّرُ نفوساً قد هدّها الجوع والتعب وربما الذل..

أرجوكم الطفولة صفحة بيضاء، فلا تدنسوها بسواد قلوبكم

وهي حياة صفاء فلا تعكروها بإهمالكم، فهي أصدق وأجمل ما في الإنسانية

وكما قد قيل (عندما تضيق بك الحياة، اذهب لأقرب طفل واجعله يبتسم، فابتسامتهم شفاء)


بقلم: عبد الرزاق اللبابيدي






comments powered by Disqus