إضافة مشاركة إضافة مشاركة


تائه

دون صورة أصوات من سوريا
عضو منذ ٢٧ نوفمبر، ٢٠١٦
  • 87 مشاركة
  • العمر 22

ما زالت يدايَ الصّغيرتان ترتعشان خوفاً، يخفق قلبي سريعاً كظمآن يتوق لعبوة مياه.. وكلّ ذلك خشية طردي من العمل!

يهتزّ جسدي النّحيل كلّما داهمته نوبة ذعر، أصبحتْ نظراتي كنظرات طفل يرى الحياة من وراء نقاب الموت.

رغم كلّ ذلك، بقيت أُمسك نفسي فلا أحد يراني إلا مبتسماً، تتوقّد في ساعدي عزيمة رجل راشد وقوي.

من أنا؟!

أنا الذي أتوق إلى المنام تَوق الجائع إلى الطّعام، أنا من يئنّ أنيناً خافتاً لا يتجاوز صدره، ولايسمعه إلّا الله.

أنا الطّريح القتيل في سبيل اللّقمة لاهثاً أنفاس الضعف والخسارة.

أنا الذي سُلبت برائتي من أعماق ذاكرتي تاركةً ورائها أشلاء طفولتي، فنسيتُ كيف أكون طفلاً!

كيف لي أن أكون طفلاً وانا من يشتري الفرحة لإخوته، بدلاً من شراء أحدهم لي!

أنا من فنيت وتأوّهت واستغثت ولم تلبّى استغاثتي.

لم أشأ في تلك الليلة أن أربط ساعتي في السّادسة صباحاً، ولكن من بعد فقداننا لوالدي لم يكن في اليد حيلة، فأنا المعيل.

استيقظت فتثاقلت خطواتي تاركاً في فراشي الأحلام الدّفينة التي قتلت.

للحظة تمنّيت لو كانت أمي تصنع لي شطيرة لذيذة للمدرسة، لكنّها بلغت بها العلّة منتهاها، ففعل بها المرض فعل النار في الهشيم فغيّرها كما يغيّر الخريف أوراق الشجر، كان أقصى ما يمكنني فعلة أن أقدّم لها أقراصاً مهدّئة فلم تزدها إلّا ألماً.

حان وقت الرّحيل.. خرجت إلى ضجيج الشّوارع ورأيتُ ازدحام الحياة.

لوهلة وقفت، أغلقتُ عيني وتذكّرت مدرستي التي كانت كالشّعاع الذي يُكسِب الإنسان حياة تتلألأ بأنوار المعرفة، تستقبل الأبناء الصّغار وتخرجهم كباراً قادرين على العمل والبذل والعطاء ومواجهة الحياة.. فهل سيستطيع جسدي الضّيف الهزيل تحمّل كلّ هذه الأعباء؟

شققت طريقي ذاهباً إلى طرف آخر من الحياة، كلّما اقتربت من مكان عملي تطلّعت حولي وشعرت بالحمّى تجتاحني بلّلتني قطرات العرق، فظهر أمامي ربّ العمل، وهو رجل مفتول العضل أسمر البشرة لفحته الشمس بوهجها، قساوة ملامحة جعلتني أرتبك، ولكن بعد عدّة أيّام اعتدت على ذلك.

مضت بعض الأيّام وبعضها ظلّت تحفر ذاكرتي.

أذكر تلك اللحظة التي كان كتاب تعليم اللغة العربيّة يرقد إلى جانب أدوات العمل فاضطررت على تركه، مضيت متعسّراً متنهّداً، عندها لاح صوت من الداخل - صوت معلّمي - يعلو فأحسّست بالعرق يتصبّب من جبيني وتراقصت قدماي خوفاً، ذهبت إليه فرمقني بنظرة مخيفة خطفت من عيني كلّ آمالهم، عندها تلقّيت صفعة هزّت أركاني.

فانهمرت الدّموع من مقلتيّ غزيرة كانهمار المطر. وأخيراً غلبت على أمري وعدّت إلى العمل والخيبة تنهش قلبي نهشاً.

في ساعة من يوم آخر يائس التقطت كتاباً من كتبي وعند أوّل صفحة مدّ وحش بشري يده وأخذ كتابي وألقاه في لهيب النار فتوهّجت، عضضت على شفتيّ حسرةً فانتشلتني الصّدمة إلى داخلها، وأكلت غصّتي بصمتٍ وصبر. فبدأ يوبّخني وأمسك يدي الضّعيفة القلقة وضربني عليها ضرباً موجعاً!، فانطلقت من فمي صرخة كادت تمزّق حنجرتي من شدّة الألم والرّعب، وكانت نظراتي مزيجاً من الضّعف وخيبة الألم، وانتهى بي المطاف في المشفى.

عاودت العمل بعد مدّة من الزمن، كنت أُنهي أيّامي بشكل متشابه دائماً، أعود لمنزلي الذي على وشك أن يهدم بنظرات جامدة غير واضحة.. تائهة..

تعذبت وتقهقرت ولم أقل شيئاً..

عجزت عن الكلام فأخذ الضّيق منّي كلّ مأخذ.. لا تحزني يا أختي الصّغيرة فأنا مازلت في الحادية عشرة ولازلت بكامل قواي الجسدية..

أعتذر يا أمّي عن كذبي عليك بأنني لم أشتاق لمدرستي وأصدقائي.

أعتذر لأنّي لازلت أريد ألعاباً وثياباً للعيد.

أعتذر لتلويك علي وحزنك.


بقلم:عائشة قراجة





comments powered by Disqus