إضافة مشاركة إضافة مشاركة


عندما يكون الحبيب أباً محاصراً

دون صورة أصوات من سوريا
عضو منذ ٢٧ نوفمبر، ٢٠١٦
  • 88 مشاركة
  • العمر 22

كفّان سخيتان.. ذراعان حانيان يغلقان عليّ يدرءان قسوة العالم عني.. قلبٌ بحجم الكون.. ظهرٌ متين، وطولٌ مناسب للاحتماء من هجمات أمي الساحقة.. حزمٌ أتعب تمردي.

كانت هذه بعض أدواته للإيقاع بي، وقد وقعتُ، وبينما كنت أقطع الحياة ممسكة يده ولا شيء قادر على ضبط حدّة صوتي ومباهاتي به، وإذ بقطار الحرب البشع الأسود قد بتر أواصر الوصل بيننا، وهجمت ذئاب الخوف والفقد لتنهش في الحشى، وضحك وحش الحصار لانتصاره في تفريقنا، ثم أرتني الحياة وجهها القبيح.

أنا الجسد في مكان، والأب الروح في مكان آخر.. ضربت الحواجز، وعلت جدران البعد..

صار أكبر همي أن يقدرَ على توفير اتصال فيُسمعني صوته، فتقرّ عيني.. صار الحلم أن أسير بتفوق بدراستي، فلم يكن يسعَد بشيء كسعادته بنجاحٍ دراسي أحققه له.. وزاد الشوق لرؤية توقيعه على تقاريري المدرسيّة باسمه هو وخطه هو.

مثقلةٌ بالفقد.. موجعةٌ بالفراغ.. مقفلة آذاني عن استهزائهم بي وبالنازحين أمثالي.

هو يعمل في مكان، ويرسل لي حتى أحيا وأتعلم وأكبر في مكان آخر. أفقد الحصار كلّ الأشياء معناها، وحتى ذلك التخرج الذي بذلت لأجله ذاتي فقد معناه.. ما معنى أن أنال أعلى الدرجات من دون أن يقبل رأسي مكافأة لي منه؟!.. ما معنى أن أشكو له هضمهم لحقوقي وهو بعيد؟!.. ما معنى أن أذهب للحديقة وحدي وأتأمل الفتيات يضاحكن آباءهن؟!

أصبح العيد عندي إعلانهم عن إمكانية الدخول إلى قريتنا المنهكة، وتمثلت الجنة باحتضان أبي، والسكينة كلها بين ذراعيه..

مضت السنون يا أبي كأنها دهور..

لا ذنب لك، ولا ذنب لي.

هو ذنب حرب كافرة لا دين لها.. ذنب جهلٍ أعمى لا يعرف للحق طريقاً..

أيتها الحرب السوداء مهما امتد ليلك وتطاول، ومهما عثتِ فساداً في القلوب المتعبة ستأتي شمس اللقاء لتذيب بأشعتها شمعة بعدٍ يستنزف الأرواح البيضاء.

قصتي مع الحصار غيضٌ من فيض مأساة عاشها كثيرون، وما زال الكثير يحياها حتى الآن..

الحصار اختناق.. بترٌ للأطراف رغم وجودها.. حياةٌ وموتٌ في آنٍ معاً.. نقصٌ في الدواء والغذاء والأمان وزيادة في الخوف والجوع والبؤس..

الأماني كلّ الأماني أن يُرفع الحصار عن كلّ روح مهما كان اتجاهها ودينها.. وأن يوضع المحاصِر مكان المحاصَر يوماً واحداً فقط.. لنرى ماذا سيصنع بعدها؟!





comments powered by Disqus