إضافة مشاركة إضافة مشاركة


كل الأغاني التي كانت

دون صورة أصوات من سوريا
عضو منذ ٢٧ نوفمبر، ٢٠١٦
  • 103 مشاركة
  • العمر 22

عندما زحف الظلام وشتت ناظريه عن حلمٍ أبيض كان يشير إليه بإصبعه كحبلِ أُلفةٍ بين الأرض والسماء, ظهر القلقُ على وجه "عشتار" التي اكتست ألوانها بصفرة الخريف وتساقطت أوراقها على الأرضِ خافيةً تحتها ثوباً ربيعياً مرصعاً بالأزهارِ والأحلام.

<< طير السنونو.... اختفى >> عبارةٌ قالها الطفل الصغير وقد اتسعت حدقتاه وخيّم عليهما الحزن والخوف خافضاً إصبعه بريبةٍ ورجفةٍ توقفت معها جميع الرحلات وتعالت الأمواج مغرقةً سفناً وزوارق.

ركض الطفل بلهفة عاشق فقد حبيبته والدموع تجرح خديه كنصلٍ حادٍ. وقف أمام والديه ينظر إليهما بحسرة ثم قال: لقد اختفى طائري, كل الطيور غادرت حلبتها.

ابتسم الوالد لسماعه تشبيهاً يكاد لا ينطق به إلاّ شاعرٌ فحلٌ "حلبتها" ثم حاول تهدئة ابنه بقوله: لقد حل المساء وذهبت الطيور إلى أعشاشها صدقني يا ولدي حتى الطيور تحتاج إلى الراحة.

"حتى الطيور تحتاج إلى الراحة" كانت هذه الجملة آخر ما سمعه الطفل قبل أن يتوج يومه الحزين بدموعٍ على مخدته الطرية يحضنها ويأمل أن لا تطول استراحة الطيور, عندها كان قد دخل في نومٍ عميق.

الآن وبعد سبعة أعوام ذات الطفل يستيقظ من نومه يحاول أن يلتقط خصلةً جديدةً من جدائل عشتار ويجدد أمانيه وآماله ويقول:< يا طير السنونو>

ولكنه اليوم كبر,فيروي قصته قائلاً في مقدمتها: كتبت هذه القصة بأحلام طفلٍ ولغة أديبٍ رصينة تفوح منها رائحة الربيع وريش السنونو.

ويسميها كل الأغاني التي كانت.

كل الأغاني التي كانت:

بكت المدينة وعقدت الأبنية حاجبيها وصار الصوت حداً يجرح المكان والزمان .

كنت على شرفةِ منزلنا في حيٍ بسيطٍ حين قبضت الرصاصةُ على طيرِ السنونو كنت أراقب هذا المشهد, لا لم يقع، طائري كان قد جُرحَ في جناحه الأيمن حسبما أذكر أوكما أحسست فقد ألمتني يدي اليمنى حينها .

أمي ماريا كانت ترشق الماء عن غسيلها قبل أن تعلّقه على الشريط فقد كانت الشمس قويةً وجميلة لكنها بدت حزينةً حد البكاء.

أما أبي كعادته يصل من دوامه في شركة المياه, سمعت صوت الراديو حيث كانت العادة المميزة لديه والتي كنت أمقتها بشدة فهوكثيراً ما يستمع إلى الأخبار وينتظر سماع خبرٍ يُفرحه.

حين سمعتُ صوتَ الراديوركضتُ إليه مسرعاً .. أبي ..أبي ...أبي

كانت كلماتي تسبقني<< لقد اختفى طير السنونولم يعد يطير ربما شعر بالخوف من الرصاص الذي يملأ السماء >>.

حينها أردتُ إخباره بأنني سمعت طير السنونويقول: هذه السماءُ لنا.

والدي المهتم بأخبار وصوت الراديو لم يكن قاسياً كان يهتم بما أراه حينها, في ذلك اليوم قال لي << بأن الطيور تحتاج للراحة >> وقال نبوءته

يا ولدي أظنُّ بأنّكَ ستصبحُ أديباً وكاتباً مميزاً, ربما في يومٍ من الأيام قد توقّع كتابكَ في حفلٍ تملؤه طيورُ السنونو.

بدأت أبني أحلامي على تلك النبوءة ولكن وفاة والدي في حادثةٍ أليمةٍ وقعت في شركة المياه قبل عامين جعلتني حزيناً أبكي أبي تارةً وطائري تارةً أٌخرى وأشدُّ ركبتيّ نحوي وأذرف دموعاً تكاد تلامس السماء.

ماريا تقول لي : تذّكر حلم والدك يلاقي حلمك في مكانٍ ما, ستجد طيور السنونو تحلق في السماء بكل تأكيد.

يا له من أمل بسيط وحلمٍ فقير يا لقلب ماريا التي تخفي دموعها, كانت عيناها تتلألأن وكانت الدمعة تتحرك كنقطة ماءٍ نقية.

ماريا: وأخيراً غرزت إبرتها ونسجت قطبتها الأخيرة وراحت تبيع غطاء الطاولة، فهوالدخل المادي الوحيد حينها إضافة لراتب والدي الذي خدم في المؤسسة ما يزيد عن خمسة عشر عاماً قبل وقوع تلك الحادثة .

لم تتوقف آلامي هناك فحتى مدرستي البسيطة التي تبعد عن منزلنا ثلاثة شوارع عُلّق فوق بابها "مدرسة النضال للتعليم الأساسي" كانت مسرحاً للآلام والحسرة, كانت معلمتنا المثقفة صاحبة القامة الطويلة الحمقاء تحدثنا عن ذكرياتها حين كانت في عمرنا وعن الرحلات التي كانت تقوم بها إدارة المدرسة في فصل الربيع من دون أن تشعر بحسرتنا على ربيعنا الذي اختفى تحت أوراق الخريف وغابت ألوانه وأفراحه وأحلامنا تحت صفرته.

المعلمة " هناء " تبتسم بحزنٍ على تلك الأيام وتصفها بأنها من أجمل ما يمكن أن يعيشه الطفل .

يا إلهي هل تظن بأنها تعطينا حكمة يا لجهلها تقول لنا أحزن عليكم لقد توقفت الرحلات نحو البحر فقد أصبحت أمواجه عالية جداً .

أنا وأصدقائي كل منا يراقص حلمه الخاص في حلبة الفضاء ويسمع صوت غناء الريح ويتمنى لوأنه يستطيع أن يقطف نجماً يهديه لنفسه.

كان حلمي بسيطاً حقاً, كثيراً ما استيقظت باكياً أحاول أن ألتقط خصلة من جدائل أمّنا عشتار لأشعر بالأمل وأعيد ترتيب أحلامي, دائماً وكثيراً كثيراً راقصت حلمي بأن ألتقط الطير وانفض عن جناحيه التراب وأمسح الدماء وأعطيه لأمي لتخيط له جرحه.

لا أدري إن كنتم تصدقون قصتي هذه لكنها قد حدثت حقاً مع الكثير من الأطفال , قد ترونها قصة غريبة أو نادرة أو محض خيالٍ لكاتبٍ ضيقِ الأفق.

حدثت وقائع هذه القصة في "سوريا " والتي حملت اسم "عشتار" تساقطت أوراقها في فصل الربيع! نعم تغيرت الفصول وسيطر الصقيع وصار صوت الرصاص يجرح الزمان والمكان.

كثيراً ما تطوف بذهني الذكريات البعيدة, عندما أسمع كلمة الحبّ, (أبي, أمي, صوت الراديو, إصبع الطفل, وطير السنونو, مدرستي, معلمتي, الأبنية الضاحكة, المدينة الفرحة) والكثير الكثير من الأغاني التي كانت تمدّني بالأمل.

(كل الأغاني التي كانت "جدائل عشتار" ) أستيقظ صباحاً لألتقط منها خصلةً وجرعةً من الأمل. وأغني لفيروز " شو كانت حلوة الليالي"

"وأردد عبارة الأستاذ سعد الله ونوس" إننا محكومون بالأمل.






comments powered by Disqus