إضافة مشاركة إضافة مشاركة


فوبيا الانتظار

دون صورة أصوات من سوريا
عضو منذ ٢٧ نوفمبر، ٢٠١٦
  • 54 مشاركة
  • العمر 22

بقلم: شذى الأشقر

استوقفني اليوم مقال على موقع "بنت جبيل" بعنوان (القفازون إلى الموت) يلقي الضوء على مجموعة من ضحايا هجمات 11 أيلول الذين قفزوا نحو الموت بإرادتهم، بعد أن حاصرتهم النيران ويقدر عددهم بحوالي 200 شخص.

في لحظة قراءتي للمقال فكرت لبرهة ما الذي كان يخطر ببال هؤلاء حين قفزوا؟ ما الذي دفعهم لذلك؟ ما الذي حرضهم؟ لم يكن بالتأكيد دافع النجاة، أو البقاء على قيد الحياة، أو كما كانت تحب جدتي أن تسميه (حلاوة الروح).

بغض النظر عن الحرارة العالية والغازات المنبعثة وصعوبة التنفس في بعض الطوابق حينها. علّلت السبب بطريقتي، فربما كان نوعاً من الخوف، ليس خوفاً من الموت، بل خوف من نوع آخر، من شيء آخر. إنه بالتحديد الخوف من الانتظار، يقتلنا الوقت حين يكون الأفق مسدوداً، الخوف من الآتي المبهم، أولئك ببساطة كانوا لا يتقنون الانتظار، لا يطيقونه، لا يعرفون اللعب على وتر الوقت، يجهلون استحضار السكينة.

الانتظار: موتٌ من نوعٍ آخر. موتٌ متكرر. خصوصاً إذا كان ما ننتظره مبهماً.

هؤلاء ببساطة استعجلوا الموت. خططوا له. نفذوا في وقت انعدام الحيلة. قرروا في وقت ٍ لا ينفع فيه قرار. لم يكن يفصلهم عن الموت إلا أجزاء من الوقت. لكنهم مضوا تجاهه، لم ينتظروه بدمٍ باردٍ ليأتي. ساروا إليه وقطعوا الطريق عليه

إحدى تلك الصور (الصورة المرفقة) كانت صورة تلك الرجل. (جوناثان برجلي / 43 عاماً الوحيد الذي عرف من بين 200 آخرين قفزوا) وصفه المقال بأنه قفز كالسهم المتجه لهدفه في سكينة وحزم. أصبت بالصداع وأنا أخمن بما كان يفكر حينها، هل كان يفكر في الهروب من الموت.

حين نفرّ من الموت، نصل أسرع. أغمضت عيني وأنا أتخيل كيف كان يرى مشهد سقوطه ومشهد زجاج المبنى يتحرك سريعاً ويومض كشريط فيديو أمام عينيه. كان الوقت الذي استغرقه لارتطامه بالأرض وموته (يقدر تقريبا ً 10 ثواني) كان انتظاراً. كغيره من الوقت كان انتظاراً. هل كان يعول أن قفزته ربما تنقذه، أو حظه، أو صدفة ما، حين نرهن حياتنا للحظ، نخسرها في أول مقامرة.

فكرت بمن جلسوا ينتظرون الموت بلا حراك، انتظروه أن يأتي، أن يعد ضحاياه، أن يفرغ منهم واحداً تلو الآخر كالمنتظر في طابور. هل كانوا يفكرون بالموت؟ ... بالأحبة؟ بالحياة ككل؟

حين تكون بالنهاية. ربما تود تصديق أي شيء إلا أنها النهاية.

ذلك المقال أعادني إلى الوراء. لأنني عشت قبلاً وعلى مدى سنين طويلة عدة ماكنت أسميه ضمناً بيني وبين نفسي (فوبيا الانتظار) أو (وسواس التوقع السيئ) كنت أشعر أحيانا أنني أصاب بنوعٍ من السكتة القلبية المفاجئة المؤقتة. كان نوعاً من الوسواس لم أتخلص من تداعياته إلى الآن.

كنت حين أنتظر شيئاً أن يحدث أفقد القدرة على النوم وعلى الحياة بشكلٍ طبيعي. أعيش لحظات الأرق على مدى أيام وأنا أضرب أخماساً بأسداس، وأتوقع جميع الاحتمالات الممكنة وأضع في البداية الاحتمالات السيئة نصب الأعين، وأتوقع الأسوأ دائماً.

لا تدع المجال لشيءٍ أن يصدمك. المشكلة كلها لدينا نحن البشر تتمحور حول الخوف، الخوف من النهاية. من النهايات بحد ذاتها، الخوف من ذاك الانتظار القاتل للنهاية. لم نعقد يوماً صداقة مع نهايتنا أو جزءاً من صلح. تركناها مفتوحة، غير متوقعة، دراماتيكية أحياناً في حال التوقع. لم نعد العدة لها. لم نشحذ أسلحتنا للقاء بها. فقدنا القدرة منذ زمن على وضع نقطة في نهاية السطر. وإغلاق غلاف كتابنا براحة بال.

لذلك تأتي النهايات مختزنة لكل الشرور. مصحوبة بالخوف منها. ولذلك نبقى محكومين بانتظارها، بالخوف من انتظارها، فحين تعرف وجه النهاية، من السهل جداً توقع الطريق إليها.





comments powered by Disqus