إضافة مشاركة إضافة مشاركة


لعله خير

دون صورة حمص/سوريا
Khuzama kanj
عضو منذ ١١ سبتمبر، ٢٠١٧
  • 1 المشاركة

انظر إلى حياتك من بعيد، من أعلى القمة، من هنا حيث أنت الآن، انظر إليها كاملةً...إلى تلك الطفولة الحالمة الجميلة بحلوها ومرّها، إلى مقاعد الدراسة إلى الأصحاب إلى الأهل، انظر إلى الحب إلى النجاح إلى تلك اللحظات المنسيّة إلى خيبات الأمل... قف هنا !!

أمعن النظر فيها جيداً، تذكُرها أليس كذلك؟ ابحث عن كل تلك اللحظات الأليمة التي هزت جدار روحك، التي أوقعت بك أرضاً وانتزعت كل أمل في صدرك، قل لي الآن... ماذا حصل بعدها؟ هل استطعت النهوض؟ أقتلتها أم أنّها قتلتك؟ كم تألّمت؟ كم صمدت بعدها؟ كيف حالك اليوم؟

أعلم...أعلم أنّك أصبحت بعدها أقوى من ذي قبل، وأعلم أنّك تغيّرت جذرياً أعدت ترتيب أفكارك وقُلِبت موازين الحياة في ناظريك ونُفِخَت الروح في قلبك مجدداً وعدت أفضل من أي وقت مضى.

هنا في هذه اللحظة يولد النجاح ويورق الإصرار في أعماقك وتصبح جبلاً من إرادة، حينها يخرج العملاق من داخلك ومن كل ذلك الضعف تولد القوة.

فالألم والتعثر وحتى الفشل ليسوا نهاية العالم بل بداية الطريق "فقط" لمن أراد النجاح...

في قصتي لم تكن البداية حسنة بل كان الظلام الدامس يستوطن داخلي حينها، وقلبي خريفيٌّ في جسدٍ ربيعي، لقد بات الأمل أبعد ما يكون عنّي، لم تكن الحرب عابرة من أمامي، لقد مرّت من خلالي، لم تكتف بسلب الأمان والدفء من قلبي بل كانت سياجاً شائكاً حال بيني وبين تعليمي في سنواتي المدرسية الأخيرة.

ثمّ لم تشبع...كانت كالنّار تلتهم طموحاتي الطفوليّة الغضّة، لقد طالت يد الحرب عائلتي، كادت أن تكسر كتفي في هذه الحياة...أبي ... سندي وقوتي، لولا أن القدر سلّمه وأبقاه، تألّمت كثيراً وتعبت أكثر، لقد بات الأمل أبعد ما يكون عن قلبي، كنت أطلب العون من الله دائماً أن يبدل قلبي الهزيل الذي ارتطم بكل سيء حتى لم يعد يقوى على النبض بقلبٍ من جليد، أن يمدني بقليل من القوة بقليل من الشجاعة، من الصلابة التي تحمي جسدي المنهك.

لكن...هزمني كل شيء... اليأس الخوف من القادم، والعجز أمام كل سهل، لقد نالت مني كل عتمة...

وأول ما فقدته بعد تلك الهزيمة هو العلم...لم أستطع أن أكمل تعليمي في المدرسة وكانت غرفتي هي مدرستي الثانية، أذكر حينها كم بكيت أمام عجزي عن فهم الكثير من القوانين والمسائل والتمارين المعقدة وكم حدثت نفسي..."ما بك ؟! خزامى! هل أنت ذاتها تلك القوية المجتهدة المميزة بين الجميع! "

كنت دائماً ما أجيب عن أسئلتي المحرجة تلك بالبكاء، "يالي من طفلة ساذجة متى أكبر يا إلهي! ثم أنعزل أيام عن كتبي لاجئة إلى حضن أو كلمة تحيي روحي الذابلة.

لا أدري كيف مرت الأيام بعدها ومضت تلك الامتحانات النهائية لشهادة الثانوية التي لم أعرف عنها سوى الألم.

جاء يوم النتائج، التي أوقعت قلبي من جديد، "المعهد الصحي" هو ما كان ينتظرني، ولكنني لم أكن أنتظره ابداً...لم يكن حلمي البتة ولكنه واقعٌ مجبرة وبكل ما يعنيه الإجبار من قسوة أن أخوض به مستقبلي.

ويا لضعفي وقلّة حيلتي وأجوبتي التائهة أمام أسئلة النّاس، أمام شفقتهم علي، لقد كانت إمكانياتي أكبر منه بكثير...كم قالوا وكرروا لي ذلك..."أظن لو قمت بإعادة الامتحانات في السنة المقبلة سيكون أفضل لك، معهد! لا بأس كله علم..."كلماتهم تلك كانت تقتلني وتزيدني خيبة فوق خيبتي.

بخطوات صغيرة مرتبكة صامتة دخلت المعهد....

بعد هدوء مؤلم طويل قلت في نفسي لا تلتفتي، لايقدّر الله مافوق استطاعتك، حاولت تعبت واجتهدت كثيراً وظل الخوف من الفشل يطارد ضعفي المدفون مجدداً، كنت أشغل نفسي بالمحاضرات والامتحانات لا أريد لتلك الوساوس أن تهزمني من جديد.

ومع انتهاء السنة الدراسية الأولى في المعهد، كانت النتائج مذهلة، أنا في القمة !! بحصولي على المرتبة الأولى...أيعقل هذا ؟ ثمّ إني لو بقيت على هذا النحو في السنة الثانية والأخيرة فسوف ألتحق بكلية العلوم الصحية وهي ماحلمت بالوصول إليه منذ صغري.

عندها مضيت ومضيت دون تراجع أو رخاء وبكلّ قوة، كان الهدف أمامي كنت أراه أمامي وألمسه بيدي.

لم تكن سوى أشهر معدودة بعد أن أنهك التعب جسدي وساور القلق عقلي...حتى جاء يومي الذهبي الذي تلقيت فيه خبر المرتبة الأولى للمرة الثانية...أخيراً...لقد وصلت بتذكرة عبور للجامعة إلى حلمي.

أتذكرون البداية؟ هكذا هي البدايات دائماً، فكل عمل عظيم مهما بلغ من العظمة كان ذات يوم صغيراً أكثر مما تتخيلون، فلا تنظروا للنهايات الضخمة إلا من قبيل التحفيز لأنفسكم ولبثّ الأمل في روحكم.

إذا نستطيع جميعاً أن نحقق مالم نجرأ على الحلم به، فقط لنتفق أولاً على نقاط كنت قد رأيتها في حياة العلماء والعظماء والعباقرة قواسم مشتركة، ألا وهي:

أ. وجود هدف واضح للحياة.

ب. المداومة والثبات والصبر.

ج. الإخلاص والإتقان.

مبارك لك الآن تستطيع أن تكون ما تحلم...فقط ضع هدفا، حدد مسار حياتك، اصبر والتزم، هيا فلتبدأ حياتك... حياتك أنت التي تحلم بها، غامر ولتكن شجاعاً لا تكسرك عثرة، واحفظ (أن الحياة لا تقاس بعدد اللحظات والأنفاس وإنما تقاس بعدد ما يعيشه الإنسان من لحظاتٍ تخطف الأنفاس ) فاطمئن واصبر إذا ضاقت بك الدنيا واعلم أن الله لم يبتليك إلا ليخرج أقوى وأعظم ما لديك.

تعثرتَ نعم...لا تكترث لا تلتفت فلن تكبر دون أن تتألم ولن تتعلم دون أن تخطئ ولن تنجح دون أن تفشل، قم وانفض عنك غبار الضعف واعلم أنك في طريق العظماء... فقط ابدأ.





comments powered by Disqus