إضافة مشاركة إضافة مشاركة


دعاء تتلو دعاءها الأخير وحيدة

تم نشرها
Bissan A. Ouda, -

عضو منذ ١٦ مارس، ٢٠١٧
  • 5 مشاركة

شهد أبو سلامة- من أجل الشمس

شهد أبو سلامة- من أجل الشمس

لا أدري لمَ كلما حاولت تناسي تلك الأحداث، تبادر الى ذهني الكثير منها وفتحت آلاف النقاشات عن حرب عام ٢٠١٤ في قطاع غزة، وتسابقت كل المشاهد الشنيعة في الرقص أمام ناظري. ولكم أن تتخيلوا مثلاً إحداها وأقبحها، مئات النازحين منذ الخامسة فجراً، منهم الحفاة والأطفال والعجائز، هؤلاء الذين شهدوا ليلة من أسوأ ليالي البشرية ببساطة.

لقد كنّا مثل قبيلةٍ في عصورٍ قديمةٍ جداً، تشهد تعذيب جارتها طوال الليل حتى يحل الصباح فتخلي بيوتها خوفاً.

تلك الليلة كانت السماء تضيء كل دقيقة تقريباً ناحية الجنوب من بيت حانون، وكنّا نعلم أن الأحداث تدور في حي الشجاعية. كنّا نحاول التواصل مع أهلنا هناك ولا مجال. لا سبيل لنقل الجرحى او الهروب من الحي. وما إن حلّ الصباح حتى ارتحلنا كما حدث في عام النكبة، ١٩٤٨، بالضبط. نبحث عن المكان الآمن في مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين.

دعاء، فتاة كانت في الرابعة عشرة آنذاك وحائط غرفتها ملاصقٌ تماماً لحائط حديقتي، تعمل والدتها في الخياطة لذا كانت ترتدي أجمل زيٍّ مدرسيّ في الحي. لم يتمكن أهلها في صباح الإخلاء من الهرب حيث أن مدارس وكالة الغوث قد امتلأت باللاجئين وكانت العائلة كبيرة وفقيرة لاستئجار بيت خاص، فقرروا البقاء في المنزل، على الأقل لحين إيجاد مكان غير الشارع للإخلاء إليه.

ركضت الشمس حتى منتهى الأفق وهبط الظلام غير مصحوب بضوء واحد مشعل في كل المدينة، وكان القمر قد أصبح محاقاً لضرورة الطبيعة، والمدينة بها عجائز وفقراء وعائلة الجيران التعيسة. في ضوء عملاق كسر الصمت الجاثم على المدينة هبطت أول قذيفة على الجدار الملاصق لأزهار حديقتي، قرب سرير دعاء تماماً، وفي هول الصراخ والبكاء والغبار والدخان والنار همَّ أهل المنطقة بالهروب و حُمل أخوة دعاء الصغار الأربعة وأبناء أخوتها السبعة وركض جيراننا الى الشارع و ُجرَّت دعاء التي بترت ساقها كاملةً قدر ما استطاعوا ثم قرروا بسذاجةٍ عجيبة أن يصلوا المركز الصحي القريب لطلب إسعاف نظراً لانقطاع كل سبل الاتصال وصعوبة حمل دعاء، وهنا بدأت عزيزتي دعاء نقش أبشع الروايات التي مرت وستمر على البشرية.

دعاء لم تطلب يداً حنونة لتيقظها من قيلولتها وتنزعها من حلمها السماوي المرصع بالسلام، دعاء لم تحتَج نوراً عندما تستيقظ، دعاء لم تطالب بأن تكون طفلةً كما يجب في عالم يقدِّس حقوقها ووجودها، دعاء لم تطلب حتى إيقاف الحرب! دعاء طالبت بحربٍ نبيلة تُقذف فيها بأنواع القنابل المحرَّمة إنسانياً، و لكن على الأقل تستطيع الركض والاختباء... على الأقل بساقها!

كان البيت يحترق والجدران والحجارة تتناثر والوقت يتباطأ، وتكاد الدنيا تؤول للسقوط والغبار لم يسمح لها سوى برؤية ساقها البعيدة عنها أمتاراً قليلة ومكانها الفارغ في جسدها.

مرت دقائق كأنها ساعات وبدأ دم دعاء ينفذ وصار مستحيلاً أن تنجو... ماتت دعاء خائفةً ومذهولةً ومنتظرةً وناقمةً وفاقدةً ومتأملةً ومخنوقةً ونازفة، وفوق كل ذلك وحيدة. ماتت على صوت القصف والبنيان يهوي في كل مكان مصحوباً بصوتِ رعد رهيب وزئير يقطع خيوط أملها الرفيعة في وصول الإسعاف لها.

دعاء كانت حالةً من آلاف الحالات في الحرب الأخيرة في قطاع غزة الذي يعاني حتى هذه اللحظة من كل ما يمكن أن يعانيه مجتمع بشري على الصعد الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية. ولكن كلما فكرت بدعاء وجدْتُ أنني لا أريد حلّاً لأي من مشاكل غَزّتي الحبيبة بقدر ما أريد أن أنام في سريري الذي ظل دافئاً وأن أعي أنني سأستيقظ صباحاً على رائحة أمي، لا رائحة دمي.





comments powered by Disqus